عصام عيد فهمي أبو غربية
106
أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق
( 2 ) حرصهم على نقاء اللغة : حرص النحاة واللغويون على نقاء اللغة وبقائها سليمة خالية من أوشاب اللحن ، « وقد وجدوا الصورة المثلى لهذا النقاء في الشعر القديم ، ومن ثم كان عداؤهم للشعر الجديد الذي تمثلت فيه كثير من ألوان اللحن 775 » . وقد كان هدفهم جليلا حقّا وهو « أن تنضبط القواعد التي استخرجوها مما جمعوه من كلام العرب ؛ حتى تكون صالحة لأن تعلّم ، وفي إطار هذه الغاية ينبغي أن نحكم لهم أو عليهم 776 » وقد أسرع النحاة بعد أن استكملوا بناء النحو العربي « بتحكيم قواعده على شعر معاصريهم من المولدين ؛ فتبيّن لهم ما فيه من مخالفة لهذه القواعد بالقياس إلى شعر القدماء » 777 . ( 3 ) نزعة السخرية من العرب : وذلك أن معظم الشعراء المولدين لم يكونوا من العرب الخلّص ، بل كانوا من الأعاجم الذين سرت في أشعار بعضهم نزعة السخرية من العرب ، والاستهانة بما ورثوه من تقاليد ، ومن ثم كان تنكر اللغويين لشعر هؤلاء المحدثين يعنى - في بعض أحواله - لونا من ألوان الرد على تلك النزعة ، وضربا من ضروب الانتصاف للعرب أو للعروبة الخالصة ، ولعله لهذا السبب كان إطلاق اللغويين لفظة « المولد » على الشاعر المحدث » 778 فالمولد كما يذكر في المعجم الوسيط هو : « المحدث من كل شئ . ومنه المولّدون من الشعراء ؛ سمّوا بذلك لحدوثهم . و - من الرجال : العربىّ غير المحض . و - من ولد عند العرب ونشأ مع أولادهم وتأدّب بآدابهم . و - من الكلام : كل لفظ كان عربىّ الأصل ثم تغيّر في الاستعمال » 779 . هذا الاتجاه المتشدّد المتعصب على شعر المولدين وتفضيل القدماء عليهم هو الاتجاه الغالب ، وفي مقابله اتجاه آخر نراه مثلا عند ابن قتيبة الذي يقول : « لم يقصر اللّه الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن ، ولا خصّ به قوما دون قوم ، بل جعل اللّه ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر ، وجعل كل قديم حديثا في عصره » 780 ونراه كذلك عند ابن رشيق حيث يقول تحت عنوان : « باب في القدماء والمحدثين » : « كل قديم من الشعر فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله » 781 . فمع أي الاتجاهين كان السيوطي ؟ هذا ما سنتناوله في النقطة التالية :